صناعة الشرعية الدولية بالقوة: قراءة في الفكر والممارسة السياسية الأميركية

صناعة الشرعية الدولية بالقوة: قراءة في الفكر والممارسة السياسية الأميركية

أثبت الفكر السياسي الأميركي أنه لا يعترف إلا بمن يملك القوة، أما الضعف فيجلب التهميش أو الاستغلال

 الزكية - فريق التحرير منذ نشأة ما يسمّى "النظام الدولي الحديث"  بعد الحرب العالمية الثانية، برزت الولايات المتحدة الأميركية كقوة عظمى، ليس فقط بعسكريتها واقتصادها، بل أيضاً برؤيتها للسياسة الدولية التي تنظر إلى القوة باعتبارها معيارًا رئيسًا للاعتراف والشرعية، وبامتلاكها آلة إعلامية ضخمة تبثّ الأفكار، تغيّر الحقائق وتقلب موازين الحق والباطل بما يتناسب مع تاريخها ونشأتها القائمين على احتلال الأرض وطرد السكان الأصليين والفصل العنصري، وهكذا قامت بزرع كيان مماثل في منطقة الشرق الأوسط،"ربيبتها إسرائيل"، دعمتها ولا زالت تدعمها بشتى وسائل "فرض القوة" في منطقة تمت تهيئتها على مدى عقود بتنصيب حكام ضعفاء منصاعين للإرادة الأميركية، ولكن شاءت الأقدار أن يخرج من رحم الشعوب حركاتٌ تحرّرية ترفض الاحتلال والذل والإملاءات، هؤلاء هم "الأقوياء"الذين تعتبرهم أمريكا نفسها خصوما يستحقون الاحترام، على عكس أولئك المنصاعين الذين لا تعطيهم قيمة بل تستخدمهم فقط لتحقيق مصالحها، كما قال الرئيس الأميركي الأسبق ريتشارد نيكسون في مذكراته : "الولايات المتحدة تحترم الخصوم الأقوياء. نحن لا نحترم من لا يستطيع أن يدافع عن نفسه". في هذا السياق، نجد أن عددًا من السياسيين والمفكرين الأميركيين أكدوا على فكرة أن من لا يمتلك القوة لا يُؤخذ على محمل الجد في الساحة الدولية. فعلى سبيل المثال، قال وزير الدفاع الأميركي الأسبق دونالد رامسفيلد: "الضعف يغري الخصوم، أما القوة فتفرض الاحترام". نذكر أيضا هنري كيسنجر، أحد أبرز منظّري السياسة الخارجية الأميركية، الذي كتب في كتابه النظام العالمي: "القوة لا تضمن فقط الأمن، بل تمنح الدولة موقعًا تفاوضيًا في رسم النظام الدولي". أما اذا أردنا أن نطّلع على مستندات رسمية، فإن وثيقة "استراتيجية الأمن القومي الأميركي" لعام 2002، التي جاءت بعد هجمات 11 سبتمبر، صرّحت بوضوح أن الولايات المتحدة ستتعامل مع الدول بناءً على قدراتها في الردع أو التعاون، وأنها لن تنتظر حتى تتلقى الضربات، بل ستستخدم قوتها لفرض إرادتها "استباقيًا". الأمثلة التي ذكرناها تعكس تصورًا متجذرًا في العقل السياسي الأميركي مفاده أن القوة، لا المبادئ أو القوانين، هي التي ترسم حدود النفوذ والاعتراف. ومن خلال تتبع السياسة الأميركية في الشرق الأوسط، وآسيا، وأميركا اللاتينية، يمكن ملاحظة نمط واضح في تعاطي الولايات المتحدة التي تختار التفاوض فقط مع القوى التي تملك أوراق قوة حقيقية، سواء كانت عسكرية أو اقتصادية أو حتى شعبية، بينما تتجاهل القوى الضعيفة حتى لو كانت حليفة.فعلى سبيل المثال، على الرغم من العزلة السياسية لجمهورية كوريا الديمقراطية الشعبية، فإن الرئيس الأميركي دونالد ترامب، التقى برئيس كوريا الشمالية كيم جونغ أون وذلك لأنها تملك السلاح النووي وتمثل تهديدًا حقيقيًا. أما الشعوب أو الحركات الضعيفة التي لا تملك إلا الاحتجاج أو المطالبات السلمية، فكثيرًا ما يتم تجاهلها، أو دعم خصومها إذا كان ذلك يخدم المصالح الأميركية.انتقالا إلى منطقة غرب آسيا، فإن الجمهورية الإسلامية في إيران بعد امتلاكها برنامجا نوويا وتحوّلها إلى قوّة إقليمية قادرة على التأثير في الساحات الإقليمية مثل فلسطين والعراق ولبنان واليمن، أصبحت أحد أبرز القوى التي تسعى الولايات المتحدة لمفاوضات جدية معها، وقد حصل ذلك في عام ٢٠١٥ وحاليا تعبّر الولايات المتحدة عن رغبتها في مفاوضات جديدة مع إيران. وفي القضية الفلسطينية، مثلًا، لم تُعر الولايات المتحدة اهتمامًا كبيرًا للفلسطينيين إلا عندما كانت المقاومة المسلحة تؤثر على استقرار "ربيبتها إسرائيل". أما في الفترات التي طغى فيها الطابع السلمي والدبلوماسي على الحركة الفلسطينية، فقد تراجع الحضور الأميركي الداعي إلى "حلول" لهذا الصراع المركزي في المنطقة. والجدير بالذكر أن الحلول التي لطالما اقترحتها الولايات المتحدة كانت دائما لصالح الكيان المحتلّ دون مراعاة لأصحاب الأرض، ومع محاولات دائمة لفرض شروطها في حال الأزمات انطلاقا من المصلحة الأميركية في المنطقة. هذه الأمثلة توضح أن الولايات المتحدة لا تنظر إلى "الحق" أو "المظلومية" كمحدد للعلاقات، بل تنظر إلى القوة القادرة على فرض معادلات جديدة على الأرض، سواء كانت هذه القوة سياسية، عسكرية، أو اقتصادية. بناء على ما سلف فقد أثبت الفكر السياسي الأميركي أنه لا يعترف إلا بمن يملك القوة، وجعل معيار التفاوض مرتبطًا بما تملكه الدول أو الحركات من قدرة على التأثير أو التهديد. أما الضعف، فلا يثير اهتمام القوى الكبرى، بل يجلب التهميش وأحيانا الاستغلال. لذلك، فإن من يريد أن يُحترم في هذا النظام الدولي عليه أن يمتلك أدوات القوة، لا أن يراهن فقط على العدالة أو الشرعية الأخلاقية.

+ أضف تعليق

CAPTCHA Image
Play CAPTCHA Audio
Refresh Image

يا فاطمة، أما ترضيني أن تكوني سيدة نساء المؤمنين،أو سيدة نساء هذه الأمّة’(الرسول الأكرم)
يقول تعالى: ﴿... وكُلُواْ وَاشْرَبُواْ وَلاَ تُسْرِفُواْ إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ﴾
الإمام الباقر عليه السَّلام: ’ لكل شيء ربيع، و ربيع القرآن شهر رمضان ’.
عن النبي صلى الله عليه وآله: ’التوبة حسنة لكنها في الشباب أحسن’

من نحن

موقع ديني ثقافي وفكري يعنى بقضايا المرأة والاسرة والمجتمع

تواصل معنا

يسرّنا تواصلكم معنا عبر الايميل alzaakiyaa@gmail.com